سَمِعْتُ ذَا النُّونِ ، يَقُولُ : " أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ : يَا مُوسَى كُنْ كَالطَّيْرِ الْوَحْدَانِيِّ يَأْكُلُ مِنْ رُءُوسِ الْأَشْجَارِ وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءِ الْقَرَاحِ ، إِذَا جَنَّهُ اللَّيْلُ آوَى إِلَى كَهْفٍ مِنَ الْكُهُوفِ اسْتِئْنَاسًا بِي وَاسْتِيحَاشًا مِمَّنْ عَصَانِي ، يَا مُوسَى إِنِّي آلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لَا أُتِمَّ لَمَّةَ أَيِّ بِرٍّ مِنْ دُونِي عَمَلًا ، يَا مُوسَى لَأَقْطَعَنَّ أَمَلَ كُلِّ مُؤَمِّلٍ يُؤَمِّلُ غَيْرِي ، وَلَأَقْصِمَنَّ ظَهْرَ مَنِ اسْتَنَدَ إِلَى سِوَايَ ، وَلَأُطِيلَنَّ وَحْشَةَ مَنِ اسْتَأْنَسَ بِغَيْرِي ، وَلَأُعْرِضَنَّ عَنْ مَنْ أَحَبَّ حَبِيبًا سِوَايَ ، يَا مُوسَى إِنَّ لِي عِبَادًا إِنْ نَاجَوْنِي أَصْغَيْتُ إِلَيْهِمْ ، وَإِنْ نَادَوْنِي أَقْبَلْتُ عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ أَقْبَلُوا عَلَيَّ أَدْنَيْتُهُمْ ، وَإِنْ دَنَوْا مِنِّي قَرَّبْتُهُمْ ، وَإِنْ تَقَرَّبُوا مِنِّي اكْتَنَفْتُهُمْ ، وَإِنَّ وَالُونِي وَالَيْتُهُمْ وَإِنْ صَافُونِي صَافَيتُهُمْ وَإِنْ عَمِلُوا لِي جَازَيْتُهُمْ ، هُمْ فِي حِمَايَ وَبِي يَفْتَخِرُونَ ، وَأَنَا مُدَبِّرُ أُمُورِهِمْ وَأَنَا سَائِسُ قُلُوبِهِمْ ، وَأَنَا مُتَوَلِّي أَحْوَالِهِمْ ، لَمْ أَجْعَلْ لِقُلُوبِهِمْ رَاحَةً فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي ذِكْرِي فَذِكْرِي لَأَسْقَامِهِمْ شِفَاءٌ ، وَعَلَى قُلُوبِهِمْ ضِيَاءٌ ، لَا يَسْتَأْنِسُونَ إِلَّا بِي ، وَلَا يَحُطُّونَ رِحَالَ قُلُوبِهِمْ إِلَّا عِنْدِي ، وَلَا يَسْتَقِرُّ قَرَارُهُمْ فِي الْإِيوَاءِ إِلَّا إِلَيَّ . ثُمَّ قَالَ ذُو النُّونِ : هُمْ يَا أَخِي قَوْمٌ قَدْ ذَوَّبَ الْحُزْنُ أَكْبَادَهُمْ ، وَأَنْحَلَ الْخَوْفُ أَجْسَامَهُمْ ، وَغَيَّرَ السَّهَرُ أَلْوَانَهُمْ ، وَأَقْلَقَ خَوْفُ الْبَعْثِ قُلُوبَهُمْ ، قَدْ سَكَنَتْ أَسْرَارُهُمْ إِلَيْهِ ، وَتَذَلَّلَتْ قُلُوبُهُمْ عَلَيْهِ ، فَنُفُوسُهُمْ عَنِ الطَّاعَةِ لَا تَسْلُو ، وَقُلُوبُهُمْ عَنْ ذِكْرِهِ لَا تَخْلُو ، وَأَسْرَارُهُمْ فِي الْمَلَكُوتِ تَعْلُو ، الْخُشُوعُ يَخْشَعُ لَهُمْ إِذَا سَكَتُوا ، وَالدُّمُوعُ تُخْبِرُ عَنْ خَفِيِّ حُرْقَتِهِمْ إِذَا كَمَدُوا ، قَدَّسُوا فَرَجَ الشَّهَوَاتِ بِحَلَاوَةِ الْمُنَاجَاةِ ، فَلَيْسَ لِلْغَفْلَةِ عَلَيْهِمْ مَدْخَلٌ ، وَلَا لِلَّهْوِ فِيهِمْ مَطْمَعٌ وَقَدْ حَجَبَ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْآفَاتِ وَحَالَتِ الْعِصْمَةُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّذَّاتِ ، فَهُمْ عَلَى بَابِهِ يَبْكُونَ ، وَإِلَيْهِ يَبْكُونَ ، وَمِنْهُ يَبْكُونَ ، فَيَا طُوبَى لِلْعَارِفِينَ ، مَا أَغْنَى عَيْشِهِمْ ، وَمَا أَلَذَّ شُرْبِهِمْ ، وَمَا أَجَلَّ حَبِيبِهِمْ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ جَمِيلٍ الْوَاسِطِيُّ ، قَالَ : سَمِعْتُ الشِّمْشَاطِيَّ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ ذَا النُّونِ ، يَقُولُ : أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ : يَا مُوسَى كُنْ كَالطَّيْرِ الْوَحْدَانِيِّ يَأْكُلُ مِنْ رُءُوسِ الْأَشْجَارِ وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءِ الْقَرَاحِ ، إِذَا جَنَّهُ اللَّيْلُ آوَى إِلَى كَهْفٍ مِنَ الْكُهُوفِ اسْتِئْنَاسًا بِي وَاسْتِيحَاشًا مِمَّنْ عَصَانِي ، يَا مُوسَى إِنِّي آلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لَا أُتِمَّ لَمَّةَ أَيِّ بِرٍّ مِنْ دُونِي عَمَلًا ، يَا مُوسَى لَأَقْطَعَنَّ أَمَلَ كُلِّ مُؤَمِّلٍ يُؤَمِّلُ غَيْرِي ، وَلَأَقْصِمَنَّ ظَهْرَ مَنِ اسْتَنَدَ إِلَى سِوَايَ ، وَلَأُطِيلَنَّ وَحْشَةَ مَنِ اسْتَأْنَسَ بِغَيْرِي ، وَلَأُعْرِضَنَّ عَنْ مَنْ أَحَبَّ حَبِيبًا سِوَايَ ، يَا مُوسَى إِنَّ لِي عِبَادًا إِنْ نَاجَوْنِي أَصْغَيْتُ إِلَيْهِمْ ، وَإِنْ نَادَوْنِي أَقْبَلْتُ عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ أَقْبَلُوا عَلَيَّ أَدْنَيْتُهُمْ ، وَإِنْ دَنَوْا مِنِّي قَرَّبْتُهُمْ ، وَإِنْ تَقَرَّبُوا مِنِّي اكْتَنَفْتُهُمْ ، وَإِنَّ وَالُونِي وَالَيْتُهُمْ وَإِنْ صَافُونِي صَافَيتُهُمْ وَإِنْ عَمِلُوا لِي جَازَيْتُهُمْ ، هُمْ فِي حِمَايَ وَبِي يَفْتَخِرُونَ ، وَأَنَا مُدَبِّرُ أُمُورِهِمْ وَأَنَا سَائِسُ قُلُوبِهِمْ ، وَأَنَا مُتَوَلِّي أَحْوَالِهِمْ ، لَمْ أَجْعَلْ لِقُلُوبِهِمْ رَاحَةً فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي ذِكْرِي فَذِكْرِي لَأَسْقَامِهِمْ شِفَاءٌ ، وَعَلَى قُلُوبِهِمْ ضِيَاءٌ ، لَا يَسْتَأْنِسُونَ إِلَّا بِي ، وَلَا يَحُطُّونَ رِحَالَ قُلُوبِهِمْ إِلَّا عِنْدِي ، وَلَا يَسْتَقِرُّ قَرَارُهُمْ فِي الْإِيوَاءِ إِلَّا إِلَيَّ . ثُمَّ قَالَ ذُو النُّونِ : هُمْ يَا أَخِي قَوْمٌ قَدْ ذَوَّبَ الْحُزْنُ أَكْبَادَهُمْ ، وَأَنْحَلَ الْخَوْفُ أَجْسَامَهُمْ ، وَغَيَّرَ السَّهَرُ أَلْوَانَهُمْ ، وَأَقْلَقَ خَوْفُ الْبَعْثِ قُلُوبَهُمْ ، قَدْ سَكَنَتْ أَسْرَارُهُمْ إِلَيْهِ ، وَتَذَلَّلَتْ قُلُوبُهُمْ عَلَيْهِ ، فَنُفُوسُهُمْ عَنِ الطَّاعَةِ لَا تَسْلُو ، وَقُلُوبُهُمْ عَنْ ذِكْرِهِ لَا تَخْلُو ، وَأَسْرَارُهُمْ فِي الْمَلَكُوتِ تَعْلُو ، الْخُشُوعُ يَخْشَعُ لَهُمْ إِذَا سَكَتُوا ، وَالدُّمُوعُ تُخْبِرُ عَنْ خَفِيِّ حُرْقَتِهِمْ إِذَا كَمَدُوا ، قَدَّسُوا فَرَجَ الشَّهَوَاتِ بِحَلَاوَةِ الْمُنَاجَاةِ ، فَلَيْسَ لِلْغَفْلَةِ عَلَيْهِمْ مَدْخَلٌ ، وَلَا لِلَّهْوِ فِيهِمْ مَطْمَعٌ وَقَدْ حَجَبَ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْآفَاتِ وَحَالَتِ الْعِصْمَةُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّذَّاتِ ، فَهُمْ عَلَى بَابِهِ يَبْكُونَ ، وَإِلَيْهِ يَبْكُونَ ، وَمِنْهُ يَبْكُونَ ، فَيَا طُوبَى لِلْعَارِفِينَ ، مَا أَغْنَى عَيْشِهِمْ ، وَمَا أَلَذَّ شُرْبِهِمْ ، وَمَا أَجَلَّ حَبِيبِهِمْ