سَمِعْتُ ذَا النُّونِ ، يَقُولُ : " بَيْنَا أَنَا سَائِرٌ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ عَلَى عَرِيشٍ مِنَ الْبَلُّوطِ وَعِنْدَهُ عَيْنُ مَاءٍ تَجْرِي فَأَقَمْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً أُرِيدُ أَنْ أَسْمَعَ كَلَامَهُ ، فَأَشْرَفَ عَلَيَّ بِوَجْهِهِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : شَهِدَ قَلْبِي لِلَّهِ بِالنَّوَازِلِ ، وَكَيْفَ لَا يَشْهَدُ قَلْبِي بِذَلِكَ ، وَكُلُّ أُمُورِهِمْ إِلَيْكَ ، فَحَسْبُ مَنِ اغْتَرَّ بِكَ أَنْ يَأْلَفَ قَلْبُهُ غَيْرَكَ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ، لَقَدْ خَابَ لَدَيْكَ الْمُقَصِّرُونَ ، سَيِّدِي مَا أَحْلَى ذِكْرِكَ ، أَلَيْسَ قَصَدَكَ مُؤَمِّلُوكَ فَنَالُوا مَا أَمَّلُوا ، وَجُدْتَ لَهُمْ مِنْكَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى مَا طَلَبُوا . فَقُلْتُ لَهُ : يَا حَبِيبِي إِنِّي مُقِيمٌ عَلَيْكَ مُنْذُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْمَعَ مِنْ كَلَامِكَ . فَقَالَ لِي قَدْ رَأَيْتُكَ بِأَبْطَالٍ حِينَ أَقْبَلْتَ ، وَلَكِنْ مَا ذَهَبَ رَوْعُكَ مِنْ قَلْبِي إِلَى الْآنَ . فَقُلْتُ لَهُ : وَلِمَ ذَلِكَ ؟ وَمَا الَّذِي أَفْزَعَكَ مِنِّي ؟ فَقَالَ : بِطَالَتُكَ فِي يَوْمِ عَمَلِكَ ، وَشُغْلُكَ فِي يَوْمِ فَرَاغِكَ ، وَتَرْكُكَ الزَّادَ لِيَوْمِ مَعَادِكَ ، وَمُقَامُكَ عَلَى الْمَظْنُونِ . فَقُلْتُ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَرِيمٌ مَا ظَنَّ بِهِ أَحَدٌ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ . فَقَالَ : إِنَّهُ لَكَذَلِكَ إِذَا وَافَقَهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ وَالتَّوْفِيقُ ، فَقُلْتُ لَهُ : رَحِمَكَ اللَّهُ يَا حَبِيبِي ، مَا هَاهُنَا فِتْيَةٌ تَسْتَأْنِسُ بِهِمْ ؟ فَقَالَ : بَلَى هَاهُنَا فِتْيَةٌ مُتَفَرِّقُونَ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ . قُلْتُ : فَمَا طَعَامُهُمْ فِي هَذَا الْمَكَانِ ؟ قَالَ : أَكْلُهُمُ الْفِلَقُ مِنْ خُبْزِ الْبَلُّوطِ ، وَلِبَاسُهُمُ الْخِرَقُ مِنَ الثِّيَابِ ، قَدْ يَئِسُوا مِنَ الدُّنْيَا وَيَئِسَتِ الدُّنْيَا مِنْهُمْ قَدْ لَصَقُوا بِمَقَامِ الْأَرْضِ ، وَتَلفَّفُوا بِالْخِرَقِ ، فَلَوْ رَأَيْتَهُمْ رِجَالًا إِذَا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ بِسَكَاكِينِ السَّهَرِ . فَقُلْتُ لَهُ : يَا حَبِيبِي فَمَا مَعَ الْقَوْمِ دَوَاءٌ يَتَعَالَجُونَ بِهِ مِنَ الْأَلَمِ ؟ قَالَ : بَلَى ، قُلْتُ : وَمَا ذَاكَ الدَّوَاءُ ؟ قَالَ : إِذَا أَكَلُوا أَضَافُوا مِنَ الْكَلَالِ بِالْكَلَالِ ، وَجَدُّوا بِالْارْتِحَالٍ ، فَتَسْكُنُ الْعُرُوقُ وَيَهْدَأُ الْأَلَمُ . فَقُلْتُ لَهُ : يَا حَبِيبِي فَلَا يَسِيرُونَ بِجِدٍّ ، فَقَالَ : هَذَا تَقَوُّلٌ يَا بَطَّالُ ، إِنَّ الْقَوْمَ أَعْطَوُا الَجُهُودَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، فَلَمَّا دَبَرَتِ الْمَفَاصِلُ مِنَ الرُّكُوعِ ، وَقَرَحَتِ الْجِبَاهُ مِنَ السُّجُودِ ، وَتَغَيَّرَتِ الْأَلْوَانُ مِنَ السَّهَرِ ضَجُّوا إِلَى اللَّهِ بِالِاسْتِعَانَةِ ، فَهُمْ أَحْلَافُ اجْتِهَادٍ يَهِيمُونَ فَلَا تُقَرِّبُهُمُ الْأَوْطَانُ ، وَلَا يَسْكُنُونَ إِلَى غَيْرِ الرَّحْمَنِ . فَقُلْتُ لَهُ : حَبِيبِي أَوْصِنِي ، فَقَالَ لِي : عَلَيْكَ بِمَعَاقَبَةِ نَفْسِكَ إِذَا دَعْتَكَ إِلَى بَلِيَّةٍ ، وَمُنَابَذَتِهَا إِذَا دَعْتَكَ إِلَى الْفَتْرَةِ ، فَإِنَّ لَهَا مَكْرًا وَخِدَاعًا فَإِذَا فَعَلْتَ هَذَا الْفِعْلَ أَغْنَاكَ عَنِ الْمَخْلُوقِينَ وَسَلَاكَ عَنْ مُجَالَسَةِ الْفَاسِقِينَ "
حَدَّثَنَا أَبِي ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ ذَا النُّونِ ، يَقُولُ : بَيْنَا أَنَا سَائِرٌ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ عَلَى عَرِيشٍ مِنَ الْبَلُّوطِ وَعِنْدَهُ عَيْنُ مَاءٍ تَجْرِي فَأَقَمْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً أُرِيدُ أَنْ أَسْمَعَ كَلَامَهُ ، فَأَشْرَفَ عَلَيَّ بِوَجْهِهِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : شَهِدَ قَلْبِي لِلَّهِ بِالنَّوَازِلِ ، وَكَيْفَ لَا يَشْهَدُ قَلْبِي بِذَلِكَ ، وَكُلُّ أُمُورِهِمْ إِلَيْكَ ، فَحَسْبُ مَنِ اغْتَرَّ بِكَ أَنْ يَأْلَفَ قَلْبُهُ غَيْرَكَ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ، لَقَدْ خَابَ لَدَيْكَ الْمُقَصِّرُونَ ، سَيِّدِي مَا أَحْلَى ذِكْرِكَ ، أَلَيْسَ قَصَدَكَ مُؤَمِّلُوكَ فَنَالُوا مَا أَمَّلُوا ، وَجُدْتَ لَهُمْ مِنْكَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى مَا طَلَبُوا . فَقُلْتُ لَهُ : يَا حَبِيبِي إِنِّي مُقِيمٌ عَلَيْكَ مُنْذُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْمَعَ مِنْ كَلَامِكَ . فَقَالَ لِي قَدْ رَأَيْتُكَ بِأَبْطَالٍ حِينَ أَقْبَلْتَ ، وَلَكِنْ مَا ذَهَبَ رَوْعُكَ مِنْ قَلْبِي إِلَى الْآنَ . فَقُلْتُ لَهُ : وَلِمَ ذَلِكَ ؟ وَمَا الَّذِي أَفْزَعَكَ مِنِّي ؟ فَقَالَ : بِطَالَتُكَ فِي يَوْمِ عَمَلِكَ ، وَشُغْلُكَ فِي يَوْمِ فَرَاغِكَ ، وَتَرْكُكَ الزَّادَ لِيَوْمِ مَعَادِكَ ، وَمُقَامُكَ عَلَى الْمَظْنُونِ . فَقُلْتُ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَرِيمٌ مَا ظَنَّ بِهِ أَحَدٌ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ . فَقَالَ : إِنَّهُ لَكَذَلِكَ إِذَا وَافَقَهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ وَالتَّوْفِيقُ ، فَقُلْتُ لَهُ : رَحِمَكَ اللَّهُ يَا حَبِيبِي ، مَا هَاهُنَا فِتْيَةٌ تَسْتَأْنِسُ بِهِمْ ؟ فَقَالَ : بَلَى هَاهُنَا فِتْيَةٌ مُتَفَرِّقُونَ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ . قُلْتُ : فَمَا طَعَامُهُمْ فِي هَذَا الْمَكَانِ ؟ قَالَ : أَكْلُهُمُ الْفِلَقُ مِنْ خُبْزِ الْبَلُّوطِ ، وَلِبَاسُهُمُ الْخِرَقُ مِنَ الثِّيَابِ ، قَدْ يَئِسُوا مِنَ الدُّنْيَا وَيَئِسَتِ الدُّنْيَا مِنْهُمْ قَدْ لَصَقُوا بِمَقَامِ الْأَرْضِ ، وَتَلفَّفُوا بِالْخِرَقِ ، فَلَوْ رَأَيْتَهُمْ رِجَالًا إِذَا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ بِسَكَاكِينِ السَّهَرِ . فَقُلْتُ لَهُ : يَا حَبِيبِي فَمَا مَعَ الْقَوْمِ دَوَاءٌ يَتَعَالَجُونَ بِهِ مِنَ الْأَلَمِ ؟ قَالَ : بَلَى ، قُلْتُ : وَمَا ذَاكَ الدَّوَاءُ ؟ قَالَ : إِذَا أَكَلُوا أَضَافُوا مِنَ الْكَلَالِ بِالْكَلَالِ ، وَجَدُّوا بِالْارْتِحَالٍ ، فَتَسْكُنُ الْعُرُوقُ وَيَهْدَأُ الْأَلَمُ . فَقُلْتُ لَهُ : يَا حَبِيبِي فَلَا يَسِيرُونَ بِجِدٍّ ، فَقَالَ : هَذَا تَقَوُّلٌ يَا بَطَّالُ ، إِنَّ الْقَوْمَ أَعْطَوُا الَجُهُودَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، فَلَمَّا دَبَرَتِ الْمَفَاصِلُ مِنَ الرُّكُوعِ ، وَقَرَحَتِ الْجِبَاهُ مِنَ السُّجُودِ ، وَتَغَيَّرَتِ الْأَلْوَانُ مِنَ السَّهَرِ ضَجُّوا إِلَى اللَّهِ بِالِاسْتِعَانَةِ ، فَهُمْ أَحْلَافُ اجْتِهَادٍ يَهِيمُونَ فَلَا تُقَرِّبُهُمُ الْأَوْطَانُ ، وَلَا يَسْكُنُونَ إِلَى غَيْرِ الرَّحْمَنِ . فَقُلْتُ لَهُ : حَبِيبِي أَوْصِنِي ، فَقَالَ لِي : عَلَيْكَ بِمَعَاقَبَةِ نَفْسِكَ إِذَا دَعْتَكَ إِلَى بَلِيَّةٍ ، وَمُنَابَذَتِهَا إِذَا دَعْتَكَ إِلَى الْفَتْرَةِ ، فَإِنَّ لَهَا مَكْرًا وَخِدَاعًا فَإِذَا فَعَلْتَ هَذَا الْفِعْلَ أَغْنَاكَ عَنِ الْمَخْلُوقِينَ وَسَلَاكَ عَنْ مُجَالَسَةِ الْفَاسِقِينَ